امام حسين عليه السلام

متى تعاد للأمة الإسلامیة مناراتها

بسم الله الرحمن الرحیم بقلم :آیة الله العظمى السید محمد تقی المدرسی تبدو مقبرة البقیع لزائر المدینة المنورة وکأنها ثغرة عمرانیة وسط المدینة المقدسة، وبین عمران واسع وحدیث.. عمارات شاهقة وفنادق راقیة وأسواق کبیرة.. وکأن هذا العمران یستثینها بتعمد غریب.. وتبدو تلک البقعة وکأنها منسیة وسط ثورة عمران هائلة من حولها.. والشذوذ العمرانی هذا انما یعکس وراءه شذوذا أخطر یتمثل فی التفکیر المتخلف واصرار السلطات السعودیة على العمل بفتاوی مجموعة من علماء الوهابیة خارجة عن الاجماع الإسلامی تقضی حسب زعمهم بحرمة البناء على القبور وزیارتها واعتبار ذلک شرکا.. وهذا الاصرار على ابقاء قبور البقیع سویة مع الأرض بل وإزالة حتى شواهدها والألواح التی تشیر إلى أصحابها. وهی مثبتة على قبور الموتى حتى من الناس الاعتیادیین هذا الاصرار لا یلحق تشویها بالعمران ومظهر المدینة فحسب، والإسلام یحثنا على عمارة الأرض وان نتقن اعمالنا بما فیها العمارة، ولکنه یلحق تشویها بالاسلام ونظرة العالم إلى هذا الفعل الشاذ وکأن الأمة لا تقدر مقدساتها.. وبما یعکسه هذا الإصرار السعودی على الاستهانة بقبور أهل بیت النبی صلى الله علیه وآله وسلم وما یعنیه ذلک من السعی لإهانة النبی الأکرم نفسه بإهانة أهل بیته، لأن القبر المهان هو إهانة لکل من یمت لصاحب القبر بصلة وعلى رأسهم هنا النبی الأکرم (ص) قال: ان الحاجة العمرانیة البحتة تستدعی بناء البقیع، إذا لم یکن بما یتناسب ومقام أصحاب القبور العظماء من آل النبی (ص) وأزواجه واعمامه وعماته والخیرة من صحبه، فلیکن لا أقل بما یتناسب وأبسط متطلبات العمران وقواعد تخطیط المدن.. ان الإسلام لا یمانع من جعل المقابر فی حالات معالم عمرانیة سیما اذا کانت فی موقع هام کوسط المدینة مثلا لو کانت هناک ضرورة أهم لذلک.. کما حدث فی العدید من البلاد الإسلامیة، وبمالا یعد استهانة بأصحاب القبور.. ولا نعلم لماذا هذا الاصرار السعودی على معاندة حتى قوانین العمران وضوابط المدینة الحدیثة بالاصرار على اهمال البقیع وقبوره وعدم بناءها بناء یتناسب ومحیطها العمرانی. اما الحاجة العقائدیة فهی أهم وأکثر إلحاحا من الحاجة العمرانیة، فقلوب الملایین من المسلمین تحترق کل حین وکلما شاهدت قبور أهل بیت النبی صلى الله علیه وآله وسلم والصفوة من أصحابه وهی کالبلى فی حین لا یوجد فی الإسلام ولدى، المسلمین بکافة مذاهبهم أی مانع شرعی من البناء وإقامة المساجد والمزارات على قبور الأولیاء والصالحین، وما شدت عن هذا الاجماع الإسلامی الا الفئة الوهابیة فقط.. وخیر دلیل على ما نقول هو ما نشاهده الیوم من قبور للأولیاء أقیمت علیها مبان ومساجد وجعلت مزارات منتشرة فی طول البلاد الإسلامیة وعرضها.. فی مصر مساجد ومقامات على قبور الأولیاء الصالحین.. ومسجد رأس الإمام الحسین (علیه السلام) هو من أبرز معالم القاهرة حیث یروى ان رأسه علیه السلام دفن هناک، وعلى مقربة منه. مقام السیدة زینب علیها السلام التی دفنت هناک -على روایة ثانیة - ومقام ومزار لمحمد بن ابی بکر (رض) وآخر لمالک الاشتر (رض) وغیرهم.. وهذه سوریا بمقاماتها الشهیرة للسیدة زینب علیها السلام.. والسیدة رقیة بنت الامام الحسین علیه السلام.. وللنبی یحی علیه السلام فی جامع دمشق.. وللعدید من صحابة النبی صلى الله علیه وآله وسلم کحجر بن عدی (رض) وعمار بن یاسر (رض) وأویس القرنی (رض) وأُبی بن کعب الانصاری (رض).. ومن المغرب العربی حیث العدید من قبور الأولیاء وحتى أواسط آسیا کقبر البخاری.. ومرورا حتى بترکیا التی على علمانیة حکامها فإنهم لم یقدموا على هدم قبور الأولیاء الصالحین فیها، والأردن حیث مقامات جعفر بن ابی طالب الطیار بجناحیه فی الجنة وعبد الله بن رواحة وزید بن حارثة وها هو العراق الذی یکاد یفیض بالمقامات والمشاهد المقدسة للأنبیاء والأئمة من أهل البیت علیهم السلام وأبناءهم.. وأصحابهم بما لا یتسع المجال لتعدادهم.. کمرقد الإمام علی بن ابی طالب علیه السلام الذی بناه هارون الرشید.. وقبور أنبیاء الله آدم ونوح.. وهود وصالح، وسید شباب أهل الجنة الامام الحسین علیه السلام والامام موسى الکاظم وحفیده الجواد والهادی والعسکری.. علیهم السلام. وکقبر سلمان الفارسی وجابر الانصاری وحذیفة بن الیمان فی المدائن وفی البصرة قبور الزبیر وطلحة والحسن البصری وفی الحی قبر سعید بن جبیر.. وکذلک قبور زعماء المذاهب السنیة کأبی حنیفة.. والإمام أحمد وتشهد إیران مقامات لا تکاد تعد لأهل البیت علیهم السلام وعلى رأسهم الامام علی بن موسى الرضا علیه السلام، واخته السیدة معصومة علیها السلام.. وللعدید من علماء السنة.. بل حتى قبور لأنبیاء من بنی إسرائیل کالنبی یحقوق ودانیال علیهما السلام الذی قام الیهود بمحاولتین لسرقته مرة فی عام 1961 وأخرى فی أواسط التسعینات.. وهذا یوضح مدى اهتمام الأمم بقبور عظماءها حیث یسعون لسرقة جسده إلى بلادهم.. ان الأمم.. کل الأمم، مؤمنها وکافرها، تسعى بحکم العقل والفطرة إلى تکریم عظماءها لا فی حیاتهم فحسب، بل حتى بعد مماتهم.. ان محور الصراع على فلسطین سواء الصراع مع الیهود الیوم أو مع الصلیبیین بالأمس هو حول مقدسات لاتباع الأدیان، لسنا هنا فی معرض الرد على الادعاءات أو شرح الدوافع الحقیقیة. ولکن نتعامل مع الظواهر والنوایا المعلنة والشعارات المرفوعة التی تعکس بنسبة کبیرة حقیقة تقدیس الأمم لعظماءها واحترامها لهم.. وقد رأینا المواجهة الطویلة والعنیفة بین الفلسطینیین والیهود المحتلین على الخلیل بالذات وعلى المسجد الإبراهیم حیث قبر النبی ابراهیم علیه السلام.. وقبل سنوات عشنا سلسلة احداث طویلة سقط خلالها الکثیر من القتلى بل سقطت حکومة فی الهند حول قضیة المسجد البابری وادعاءات الهندوس بوجود قبر زعیمهم فی المسجد.. ومرة أخرى، نتناول القضیة هنا للتدلیل على مدى تقدیس الأمم -کل الأمم- لقبور من تعتبرهم مقدسین عندها.. بعیدا عن صحة دعاویهم أو إیماننا بقدسیتهم. ولکن هذه حقیقة فی النفس البشریة.. والشرائع السماویة.. لا تعاندها الا الوهابیة القلة.. وقبل ان نسعى للرد على دعاویهم المزعومة بتحریم بناء القبور نشیر إلى ان قبر محمد بن عبد الوهاب نفسه کما رآه من زاره فی الدرعیة ملاصق المسجد.. وهو قبر یزار وبجواره بئر یتبرکون بمائه ویتوضئون منه قبل دخولهم المسجد! ثم لماذا نذهب بعیدا بالاستشهاد بالقبور المبنیة والمساجد والمزارات المقامة علیها وهذا قبر سید المرسلین نبینا محمد صلى الله علیه وآله وسلم ومسجده المشید على مقربة من البقیع المهدم، هو أکبر الأدلة على ما نذهب إلیه.. وفی الحقیقة لم یقم النظام السعودی ببناءه ولکن هذا البناء انما هو موروث توارثته الأمة جیلا بعد جیل.. وبدء من لحظة رحیل النبی صلى الله علیه وآله وسلم - کما سنرى فی بعد- تماما کما توارثت الکعبة المبنیة.. وتماما کما توارثت أیضا القبور المبنیة لأئمة البقیع التی کانت کذلک حتىعام 1925 م عندما امتدت ید (العدوان) الوهابیة لتهدمها وذلک قبل 74 عاما.. وبالتحدید فی یوم 8 شوال 1344 (21 ابریل 1925 م) ولربما هموا بهدم قبر النبی ومسجده لولا خشیتهم من العواقب الوخیمة لهذا العمل.. وقد هموا بذلک فعلا.. وبدؤا فی محاولات مشبوهة للمساس بالقبر النبوی الشریف ولکنهم لم یتمکنوا من الاستمرار فیها، فقد افتوا بحرمة الاسراج (الإضاءة) عند القبور، ومنعوا الاسراج عند قبر النبی (ص) فی عام 1346 هجریة، ثم تراجعوا عن ذلک. وهکذا تجد اننا لا نطالب الحکومة السعودیة هنا ببناء البقیع، وانما بإعادته إلى حالته السابقة کما جعلها المسلمون وأقاموا على قبور أهل بیت النبی وصحبه الأخیار القباب والبناء اللائق.. تماما کما تعاهدوا قبر نبینا المصطفى صلى الله علیه وآله وسلم ولم یظهر معترضا على ذلک الا محمد بن عبد الوهاب واتباعه فی السنوات المتأخرة. وعندما یعتبرون بناء القبور وزیارتها شرکا وبدعة فإنهم انما ینسبون ذلک فی واقع الأمر إلى جمیع المسلمین قبلهم الذین بنوا هذه القبور وحافظوا على زیارتها والتبرک بها.. وما فعل المسلمین ذلک من أنفسهم بل إنطلاقا من فهمهم للقرآن الذی یصرح بذلک وبشکل واضح وجلی کما سنرى.. واقتداء بسنة نبیهم صلى الله علیه وآله.. ان القرآن الکریم والسیرة النبویة وما تلاها وسیرة المسلمین جمیعا ترد على دعاوی الوهابیة وبدعها التی تحرم بناء القبور وزیارتها.. وما نشیر إلیه فی هذا المجال هو بالاستناد إلى المصادر السنیة فقط.. والا فالمصادر الشیعیة أکثر بکثیر ونبدأ بالقرآن الکریم وهو بحمد الله موضع اجماع المسملمین جمیعا بکافة طوائفهم ومذاهبهم.. قال تعالى فی قصة أهل الکهف بعد ان عثر علیهم: (.. إذ یتنازعون بینهم أمرهم فقالوا ابنوا علیهم بنیانا ربهم أعلم بهم قال الذین غلبوا على أمرهم لنتخذن علیهم مسجدا) [الکهف آیة 21 ] وهی أیة صریحة واضحة فی جواز اتخاذ المسجد على قبور الصالحین، کما فعل المؤمنون بقبور أهل الکهف علیهم السلام وبنوا علیهم مسجدا للعبادة یتعبد الناس فیه ببرکاتهم.. الا ان سیاق الآیة جاء أیضا لیصور القضیة وکأنها تشبه ما یجرى بین المسلمین وبین الوهابیین الیوم.. فهناک نزاع بیم فئتین حول ما یفعلون بقبور هؤلاء الأولیاء.. فئة من المشرکین فی ذلک الزمن قالت أبنوا علیهم بنیانا کالذی یبنى على القبور، وفئة من المؤمنین الذین تغلب رأیهم فی النهایة حیث قالوا: لنتخذن علیهم مسجدا.. وفی الحقیقة لکل فئة دوافعها لذلک.. الفئة المشرکة یهمها طمس آثار الدین وکل ما یذکر الناس بالله کأصحاب الکهف.. لذلک کان یهمهم ان یطمس أثرهم فی أسرع وقت.. اما الفئة المؤمنة. ومنطقها الإیمانی فإنها تحرص على المحافظة على أی أثر إیمانی یبعث فی الناس الإیمان ویذکرهم بقدرة الله وآیاته.. وأهل الکهف هم آیة من آیات الله حتى بعد مماتهم.. وما أکثر آیات الله الصامتة.. وها هی نراها منتشرة حولنا کالشمس والقمر والسماء والکواکب.. وغیرها.. وهکذا النبی والإمام والولی الصالح وان کان میتا ومدفونا تحت الثرى لکنه آیة من آیات الله تؤثر فی الناس بعد مماتها کما أثرت فیهم فی حیاتها.. والآن.. مع أی فئة یمکن تصنیف الفکر الوهابی الذی یصر على طمس آثار قبور أئمة الهدى وأولیاء الله الصالین ویحرم -من عنده- إقامة البناء أو المساجد علیها.. وفی الحقیقة ان المشرکین فی زمن العثور على أصحاب أهل الکهف کانوا أقل تطرفا من الفکر الوهابی المتحجر الیوم. فقد کان من رأی أولئک المشرکین ان یبنی بنیانا على تلک القبور.. اما الوهابیة فإنها لا تجیز حتى هذا المقدار وتصر على تسویة القبور بالأرض ونزع أی شواهد أو علامات أو ألواح صخریة تشیر إلى أصحابها!! والحقیقة إلى جانب هذه الآیة الکریمة الصریحة فی جواز بل تغلیب رأی بناء المساجد على قبور الأولیاء.. فإن آیات عدیدة فی القرآن.. بل الکتاب الکریم فی مجمله هو دعوة دائمة للتفکر فی أحوال الماضین من الصالحین وغیرهم لنقتفی أثر الصالحین ونعتبر من مصیر غیر الصالحین.. وهذه دعوة غیر مباشرة للاحتفاظ بآثار الماضیین، وفننظر لها ونأخذ منها العبر والدروس.. ولعل قبر الإنسان الصالح هو من أبرز ما یذکر به. لقد احتفظ رب العزة بآثار آل موسى وهارون ورفعها للسماء عندما استخفت بها بنو إسرائیل ثم اعادها تحملها الملائکة عندما بعث الله لهم طالوت ملکا قال تعالى: (وقال لهم نبیهم ان آیة ملکه ان یأتیکم التابوت فیه سکینة من ربکم وبقیة مما ترک آل موسى وآل هارون تحمله الملائکة ان فی ذلک لآیة لکم ان کنتم مؤمنین). (البقرة 248). ان الله سبحانه وتعالى یرید ان یرینا آیاته بطرق عدیدة .. (سنریهم آیاتنا فی الآفاق وفی أنفسهم حتى یتبین لهم انه الحق..).. ومن تلک الطرق أیضا.. الموتى الذین سبقونا.. سواء کانوا صالحین أو طالحین. ان فرعون هو أبرز مثال للإنسان الطاغی الذی أراد الله ان یبقیه ببدنه وهو میت لکی یکون للبشریة آیة تدل على قدرة الله سبحانه وعجز من یناؤه قال تعالى (فالیوم ننجیک ببدنک لتکون لمن خلفک آیة وان کثیرا من الناس عن آیاتنا لغافلون).. وإذا کان رب العزة، یحافظ على بدن المیت السیء لیکون آیة للناس.. فکیف لا یکون الصالح المیت آیة من آیات الله.. ویرید سبحانه ان یبقیها منارا للبشریة.. لقد جعل الله سبحانه أجساد الصالحین المیتة آیة للناس ساهمت فی هدایتهم وإیمانهم.. فجعل من موت نبی الله عزیر علیه السلام آیة عندما أماته مئة عام، قال تعالى: (أو کالذی مر على قریة وهی خاویة على عروشها قال أنى یحی هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه.. ولنجعلک آیة للناس..) وفی قصة البقرة الشهیرة.. التی کان محورها ذلک الرجل القتیل من خیار بنی إسرائیل.. فجعل الله سبحانه من موته واحیاءه بعد موته آیة من آیاته (فقلنا اضربوه ببعضها کذلک یحیی الله الموتى ویریکم آیاته لعلکم تعقلون).. إذن.. ففرعون المیت.. آیة للناس بعد موته.. الا یکون النبی أو الإمام أو الولی آیة للناس بعد موته؟!.. مثل ما صار أهل الکهف علیهم السلام.. والنبی عزیر علیه السلام والرجل الخیر من بنی إسرائیل وسواهم.. آیات الله بعد مماتهم؟ أجل هم کذلک.. وعندما یزورهم الزائر ویقف امام قبورهم یعیش حالة روحیة ونفسیة عظیمة لا توصف.. ویتذکر ویتهیء للأخذ بالقیم والمبادئ والمواقف الشاهدة التی مثلها صاحب القبر الطاهر.. فیبعث فی النفوس کل الخیر ویحثهم على المضی على طریقتهم الصالحة. ولذلک لم یکن عبثا ان یحث النبی على زیارة الموتى ولاسیما الصالحین منهم بل یقوم هو بذلک.. فزار قبر أمه آمنة علیها السلام فبکى وأبکى وقال: استأذنت ربی ان أزورها فإذن لی کما جاء فی صحیح مسلم ج 3 ص 325، وفی سنن النسائی ج 1 ص 286 وسنن ابن ماجه ج 1 ص 245 وفی صحیح مسلم أیضا عن عائشة ان رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم کان یخرج آخر اللیل لزیارة قبور البقیع ویسلم علیهم.. السلام على أهل الدیار من المؤمنین والمسلمین والمسلمات. وأحادیث أخرى کثیرة لسنا فی موضع یسمح بمزید من التفصیل کما کانت ابنته فاطمة علیها السلام تزور قبره صلى الله علیه وآله وسلم وقبر حمزة سید الشهداء. وذکر السهودی فی وفاء الوفاء ج 2 ص 413 عن الحافظ الامیاطی: ان زیارة قبور الأنبیاء والتابعین والعلماء وسائر المؤمنین للبرکة اثر معروف.. وقال الغزالی: کل من یتبرک بمشاهدته فی حیاته یتبرک بزیارته بعد موته ویجوز شد الرحال لهذا الغرض. کان لنا فی العدد الماضی مرور سریع على قضیة زیارة القبور وشرعیتها بل واستحبابها لدى جمیع المذاهب الإسلامیة والکتب السماویة، وفی هذا العدد نبحث قضیة البناء على القبور وإقامة المساجد علیها فهی تعتبر سنة الأنبیاء علیهم السلام جمیعا وهی سنة خاتمهم وسیدهم المصطفى محمد صلى الله علیه وآله وسلم وکلنا یعلم ان قبور معظم انبیاء الله هی الیوم فی مساجد ومقامات عظیمة.. کالنبی إبراهیم علیه السلام وبنیه فی.. والنبی داوود ویوسف فی القدس.. وکان قد نقله النبی موسى من مصر إلى هناک وآدم ونوح ضجیعی الامام علی بن أبی طالب فی مشهده العظیم فی النجف الأشرف.. والنبی یحیى علیه السلام فی دمشق.. وغیرهم.. وقد دفن نبی الله اسماعیل أمه هاجر فی بیت الله الحرام وعند الکعبة المشرفة بالتحدید.. وقد ذکر قطب الدین الحنفی فی تاریخ مکة ان فی المسجد الحرام وعند الکعبة بالذات فی الحجر المعروف بحجر إسماعیل سمی حجرا لأن اسماعیل علیه السلام دفن أمه هاجر فی هذا المکان. کما دفنت فیه عذارى بناته ودفن هو فیه بعد ذلک! وأما عن سیرة المصطفى محمد صلى الله علیه وآله وسلم کما جاء فی وفاء الوفاء للسمهودی عن ابن ابی مشبه بسنده إلى محمد بن علی بن ابی طالب علیه السلام فی فاطمة بنت اسد علیها السلام حضر دفنها النبی صلى الله علیه وآله وسلم فأمر بحفر قبرها فی موضع المسجد الذی یعرف بقبر فاطمة، وفیه أیضا ان مصعب بن عمیر وعبد الله بن جحش دفنا تحت المسجد الذی بنی على قبر حمزة علیه السلام (لا حظ ص 115 وص 105 ج 2 من الکتاب المذکور) وعلیه.. فلا مانع من اتخاذ مسجد عند قبر أو قبر عند مسجد انما المانع هو ان یکون القبر یعبد من دون الله، وهذا لا یوجد فی دنیا الاسلام، ولا عبرة لمتوهم أو مغالط فإن التوهم أو المغالطة لا یغیران من الحقیقة شیئا، فالمنهی عنه هو ما یعبد من دون الله سبحانه. وجاء فی وفاء الوفاء ص 203 ان النبی صلى الله علیه وآله وسلم علم - أی وضع علامة - حجر على قبر عثمان بن مظعون (رض) لئلا یضیع اویدرس وکان یزوره فرفعه مروان بن الحکم بغیا وعدوانا. وان فاطمة الزهراء علیها السلام علمت على قبر حمزة علیه السلام بحجرللغرض نفسه. ومما فی الکتابة ما ذکره السمهودی أیضا من خبر حفر بئر فی دار عقیل ووجود حجر مکتوب علیه هذا قبر ام حبیبة بنت صخر بن حرب - وهی إحدى أزواج النبی صلى الله علیه وآله وسلم -فدفن عقیل البئر وبنى علیه بیتا لقبرها. وخبر دفن محمد بن زید بن علی علیه السلام حیث حفروا فی البقیع فوجدوا حجرا مکتوب علیه هذا قبر ام سلمة زوج النبی صلى الله علیه وآله وسلم.. وخبر الحجر الذی نقش علیه هذا قبر فاطمة بنت رسول الله والحسن بن علی وعلی بن الحسین ومحمد بن علی وجعفر بن محمد (علیهم السلام) هذا کما فی وفاء الوفاء أیضا وفی مروج الذهب وغیرها. وهؤلاء من أقرب الناس إلى السنة النبویة الشریفة والعمل بمقتضاها. لقد دفن رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم فی غرفة مبنیة وجاء فی ج 3 ص 400 من هامش السیرة الحلبیة ما یشیر إلى ان ذلک کان یشبه وصیة منه صلى الله علیه وآله وسلم. کما دفن ابو بکر وعمر فیها بعد معه فی الغرفة. وعلیه فلو کان القبر داخل بناء لا یجوز لأمر بهدمه أو لهدمه الصحابة، فی حین ان الأمر على العکس، فلقد بنوا له ملحقا وبنى عمر حائطا وبنت عائشة حائطا بینها وبین القبور، ولما سقط بناه ابن الزبیر، وجدد بناؤه عمر بن عبد العزیز وآزر الحجرة التی فیها قبر النبی صلى الله علیه وآله وسلم. وصاحبیه بالرخام، وبنى لها حظارا (یعنی صحنا محیطا بها).. هذا عن قبر النبی صلى الله علیه وآله وسلم.. واما من یلیه من الآل علیهم السلام والأصحاب، فمن ذلک ما جاء فی وفاء الوفاء للسمهودی ج 2 ص 100 عن ابی شبه ان سعد بن معاد دفنه رسول الله صلى الله علیه وآله وسلم فی طرق الزقاق الذی یلزق بدار المقداد بن الأسود الکندی فی التی یقال لها دار ابن أفلج فی أقصى البقیع علیها جنبذة (هی القبة کما فی القاموس للفیروز آبادی). وان قبر العباس ابن عبد المطلب وقبور أهل البیت علیهم السلام فی دار عقیل فی البقیع (نقلا عن کتاب مائة مسألة مهمة حول الشیعة لمؤلفه السید مهدی محمد السویج). وهکذا ترى ان فتاوى الوهابیة لا تستند إلى أی أساس شرعی وتاریخی.. بل ان شرع الإسلام وتاریخه هو على العکس تماما من دعاویهم بحرمة البناء على القبور واتخاذ المساجد عندها.. وهی دعاوی مردودة بنص القرآن الکریم والسنة والسیرة النبویة المطهرة وسیرة السلف الصالح من بعدها. لقد أتیحت لی فرص لزیارة مقابر فی أوروبا واذکر بالخصوص مقابر فی بریطانیا. فی لندن وغیرها.. ووجدت قبورا لمسلمین وقد أقیمت علیها قباب! وهی لناس عادیین ودت عوائلهم ان تبنی لهم ذلک.. المهم فی الأمر، ان الحکومة الانجلیزیة لا تعترض على ذلک ما دامت هذه قناعة للمسلمین وتقدر عقیدتهم، وإذا بک ترى عدة قباب وسط مقبرة انجلیزیة!! هناک أیضا مقامات مماثلة فی الهند یقدر حتى الهندوس اقامتها ولا یطالبون بهدمها فالحزب الوهابی إذا کابر فی الدفاع عن صحة فتاواه على هشاشتها وابتداعها، فهل یکابر فی أهمیة احترام رأی واجتهاد المسلم وعقیدته! وهو مسلم مثله.. له حق فی البقیع.. وله حق فی ابداء رأیه واجتهاده فی بناء قبور الأولیاء الصالحین فیه. حین دخل عمر بیت المقدس. لم یرو التاریخ انه اعترض أو أمر بهدم قبور الأنبیاء علیهم السلام التی لا تزال قائمة.. رغم ان الذین بنوها من غیر أبناء هذه الأمة.. ان هذا یوحی بأمرین: الأول ان بناء القبور وإقامة المعابد والمساجد علیها قضیة شرعیة ولو لم تکن کذلک فلماذا لم یعارضها عمر؟ کما یشیر ذلک إلى ان العقیدة الإسلامیة تحترم حتى عقائد اتباع الأدیان الأخرى.. فکیف الأمر بعقائد المسلمین أنفسهم.. وحتى التی لا تجدلها وزنا عند دعاة الوهابیة. وقد یقول قائل منهم ان النبی أو الولی لا یفید شیئا بل المطلوب الالتفاف والتوجه إلى ما خلفه من سنة وتعالیم وأحکام.. ونقول ان هذا هو هدفنا أیضا.. ولکن للوصول إلى هذا الهدف وسائل عدیدة.. وزیارة قبور النبی وأهل بیته هی واحدة من أهم الوسائل التی تجعل الناس یتوجهون لتعالیمهم.. ان وقفة امام قبر النبی أو الولی من أهل بیته یعیش معها الإنسان حالة روحیة ونفسیة خاصة لا توفرها لنفسه القراءة النظریة لسیرته وسننه صلى الله علیه وآله وسلم.. ان هذه نعمة من نعم الله تعالى.. الا ترى انه سبحانه جعل الاستغفار والتوبة ولکن جعل النبی بابا لعفوه وغفرانه.. وکما رؤیة النبی لها عطاءات عظیمة.. ألیس تفرقون بین من رأى النبی وتجعلون له الأفضلیة على من لم یره.. فهذا صحابی..وذلک تابعی.. وهکذا. کذلک الوقوف على قبره وقبر الأولیاء أهل بیته والصالحین من صحبه.. تعطی للإنسان زادا روحیا عظیما قد یکفیه طوال حیاته.. وکم وکم أولئک الذین تحولت حیاتهم لوقفة وقفوها عند قبر نبی أو ولی.. ولا یخفى ان الکتب لیست متوفرة للناس جمیعا.. وحتى لو توفرت فإن الأکثریة لا تقرأ أو لا تتعمق فی قراءتها.. ولکن زیارتها لقبور عظماءها من الأنبیاء ملائمة تزودها بشحنات عظیمة من الإیمان.. والالتزام بأحکام الدین.. ولعمری تلک هی أهداف رسالات الأنبیاء.. ولماذا نمنع تحققها عن طریق زیارة قبورهم.. ونجعل طریق الهدایة طریقا واحدا وهو قد لا یتوفر للجمیع أو قد لا یتمکن الکثیر من ان یسلکوه، بسبب مشاغل الحیاة المعروفة. نقول ذلک.. ونؤکد انه حتى کبار العلماء عندما یقفوا فی حضرة النبی أو الإمام فإنهم یحصلون على زاد روحی وإیمانی لا یتمکنون من تحصیله بالقراءات والبحوث النظریة البحتة.. الا تلاحظ مثلا ان أروع القصائد الروحیة انما کتبها أصحابها فی أجواء مکة والمدینة، حول البیت وحول قبر النبی وأهل بیته.. أو من وحی زیارات الشعراء لتلک الأماکن.. کرائعه إقبال اللاهوری وغیره من الأدباء. وقد یقول قائل ان القبور هی للاعتبار وتذکر الموت ومصیر الإنسان فی النهایة ومن الأفضل ان یبقى القبر بالیا لیذکرنا بالفناء. وهذا صحیح وغیر صحیح. صحیح بالنسبة لعامة القبور ولکن لیس صحیحا بالنسبة لقبور عظماء الأمة وقادتها التی ینبغی ان نتذکر بالوقوف عندها أکثر من مجرد ذکر الموت.. فذکر الموت متاح على کل حال وفی کل حین.. سواء بالتفکیر فیه أو عما نراه یومیا من موتى أو أخبارهم وها هی القبور أکثر من اعدادنا والمقابر تحیط بمدننا وقرانا.. بل لا یظن المعری فی قصیدته ان أدیم الأرض الا من هذه الأجساد ویطالبنا بتخفیف الوطأ علیها.. (خفف الوطء ما أظن ادیم الأرض الا من هذه الأجساد) ولکن العظماء حالة أخرى مختلفة هم صفوة وقلة، ینبغی ان نقف عند قبورهم لا لتذکر الموت والفناء لانهم لیسوا من أهل الدنیا لنقول هاهم قد انتهوا.. بل لم یکن أحد یذکر الموت ویزهد فی الدنیا مثلهم، انما نقف لنتذکر القیم العظیمة والمبادئ والتضحیات التی بذلوها من أجل الدین والمواقف العظیمة التی اتسمت بها حیاتهم، وذلک یبعث دواعی الالتزام الأوثق بتلک المبادئ والعزم على المضی فی طریقهم.. لقد افنوا أعمارهم وأموالهم وضحوا بکل شیء من أجل الدین هل نقف عند قبر النبی لنتذکر الموت، ام لنذکر هذا الإنسان العظیم الذی بداخله.. أفضل الخلق وخاتم النبیین وسید المرسلین، فتعیش مشاعر لا توصف هی أهم من مشاعر ذکر الموت.. هی مشاعر تولد فیک عوامل الاستعداد للموت.. لان الألم من ذکر الموت، هو الاستعداد له بالعمل، بل ذلک هو الهدف من تذکر الموت.. وحافز العمل والإیمان انما تصل علیه من هذه القبور الطاهرة.. الا ترى -على سبیل المثال- ان العالم الیوم یبنی قبور من قتل فی معارک یعتبرها عظیمة.. یبنیها بشکل ممیز، بل ویبنی نصبا تذکاریا لمن فقد فی تلک المعارک.. لأنه لا یرید من الناس ان یتذکروا الموت إذا وقفوا امام هذه القبور أو النصب، بل یریدهم امام هذه القبور بالذات ان یتذکروا التضحیات التی قدمها هؤلاء لأوطانهم وأممهم، ویثیر بذلک فی الناس روح التماسک والالتفاف حول مبادئ تلک الأمم والاستعداد للتضحیة من أجلها.. والأمة الإسلامیة، وهذا الإسلام الذی نتنعم به، من جاء به وأرسى دعائمه وثبت أرکانه سوى أصحاب هذه القبور بدء من النبی الأکرم صلى الله علیه وآله وسلم وأهل بیته والخیرة من أصحابه.. حیث قام الإسلام وتثبتت أرکانه بتضحیات محمد.. وعلی .. وخدیجة.. وفاطمة .. والحسن .. والحسین.. والأئمة من ولده علیهم السلام فتقف عند قبورهم لنعیش مشاعر الثمن العظیم الذی قدموه لیصل الإسلام إلینا.. ویحملنا ذلک على عدم التفریط فی هذا الدین وعدم التباطؤ عن نصرته والاستقامة على منهاجه. ولذکر الموت.. على أهمیته. مناسبات وأماکن أخرى ما أکثرها.. بقیت إشارة أخیرة.. وهی ان الفکر الوهابی فکر متقلب وغیر ثابت، وهذه أبرز الأدلة على بطلانه ولان احکام الدین تتمیز بالثبات.. والاجتهاد الرصین لا یتقلب أصحابه یوما بعد آخر، سواء من جهل أو تبعا لاهواء سیاسیة وأغراض الحکام.. والیکم إشارات سریعة على تراجعات الوهابیة عن فتاویها وهی فی الطریق للتراجع عن البعض الآخر (ولکن للأسف بعد ان تلحق التشویهات بالدین ویدفع الناس ثمنا غالیا لها).. - أشرنا إلى قضیة منعهم الاسراج عند قبر النبی عام 1346 هـ ثم تراجعهم فکیف صار الاسراج حلالا بعد ان کان محرما فی الشریعة الوهابیة؟! - تراجعوا عن حرمة السیاقة بالنسبة للمرأة.. وسیسمح قریبا للمرأة السعودیة بالسیاقة بعد سنوات طویلة من المنع غیر الشرعی والذی استغله اعداء الإسلام مادة لتشویهه کما رأیتم. - تراجعوا عن عدم جواز رمی الجمرات الا بعد الزوال، أو هم فی طریقهم لذلک بعد ان سبب هذا فی العدید من المجازر غیر المبررة فی أوساط الحجیج، إذ تنهمر الجموع فی وقت واحد وضیق.. وعندما تکون الشمس فی أوج حرارتها وتعلمون ماذا کان یحدث کل عام عند الجمرات تقریبا. - یستعدون للتراجع عن حرمة بناء مبانی بدل الخیم فی منى بعد ان ضج الناس لکثرة الحرائق التی تشهده منى سنویا تقریبا ویذهب ضحایاها الکثیر من ضیوف الرحمن. - حرموا فیلم الرسالة الذی کان له اثر کبیر فی تعریف الإسلام للمسلمین وغیر المسلمین وحاربوا الفیلم أشد محاربة.. تراجعوا فی الآونة الأخیرة.. وأصبحت الفضائیة السعودیة أکثر الفضائیات بثا لهذا الفیلم ولکن بعد أکثر من عشرین عاما على إنتاجه! ان هذا یشیر إلى ان الحرکة الوهابیة هی حرکة فوضویة لیس لبدعها أی أساس دینی ویشیر فی أحسن الظروف إلى انها حرکة سیاسیة ولیست دینیة هدفها تمریر سیاسات الحاکم واهواءه عن طریق الافتاء باسم الدین.. وقد کانت ولا تزال قضیة قبور البقیع واحدة من أبرز ضحایا هذه الحرکة المشبوهة..

   + ammar saheb ; ٤:٥٢ ‎ب.ظ ; ۱۳۸٧/٧/۱٧
comment نظرات ()