امام حسين عليه السلام

هل التوسُّل شرک؟

التوسُّل لغةً واصطلاحاً توسَّل إلى الله بوسیلةٍ: إذا تقرّب إلیه بعمل. ووَسَّل فلانٌ إلى الله وسیلةً: إذا عمل عملاً تقرّب به إلیه.وتوسّل إلیه بکذا: تقرّب إلیه بحرمةِ آصرةٍ تُعطفه علیه. والوسیلة: القُربة.. والدرجة.. والمنزلة عند الملک. وفی حدیث الآذان: «اللهم آتِ محمداً الوسیلة» هی فی الاَصل ما یُتَوصَّلُ به إلى الشیء ویُتَقَرّب به، والمراد به فی الحدیث: القرب من الله تعالى، وقیل: هی الشفاعة یوم القیامة. وقیل: هی منزلة من منازل الجنّة. هکذا قال ابن منظور(1). وقال الراغب: الوسیلة: التوصّل إلى الشیء برغبة، وهی أخصّ من الوصیلة بتضمّنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: ( وَابْتَغُوا إِلَیْهِ الْوَسِیلَة ). وحقیقة الوسیلة إلى الله تعالى ـ کما قال الراغب ـ مراعاة سبیله بالعلم والعبادة، وتحرّی مکارم الشریعة، وهی کالقربة(2). وقد ورد لفظ «الوسیلة» فی القرآن الکریم فی موضعین: الاَول: فی قوله تعالى: ( یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَیْهِ الْوَسِیلَةَ وَجَاهِدُوا فِی سَبِیلِهِ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُون )(3). قال أهل التفسیر: أی اطلبوا إلیه القربة بالطاعات، فکأنّه قال: تقرّبوا إلیه بما یرضیه من الطاعات(4). قال الرازی: الوسیلة، فعیلة، من وَسَل إلیه إذا تقّرب إلیه. قال لبید الشاعر: أرى الناسَ لا یدرون ما قدَّ أمرهم * ألا کل ذی لبٍّ إلى الله واسِلُ أی متوسل. فالوسیلة هی التی یُتَوسَّل بها إلى المقصود(5). واستنتج السید الطباطبائی ممّا تقدَّم فی معنى الوسیلة أنّها لیست إلاّ توصلاً واتصالاً معنویاً بما یوصل بین العبد وربّه ویربط هذا بذاک، ولا رابط یربط العبد بربّه إلاّ ذلّة العبودیة، فالوسیلة هی التحقق بحقیقة العبودیة وتوجیه وجه المسکنة والفقر إلى جنابه تعالى، فهذه هی الوسیلة الرابطة، وأمّا العلم والعمل فإنّما هما من لوزامها وأدواتها کما هو ظاهر، إلاّ أن یطلق العلم والعمل على نفس هذه الحالة. وفی الترابط بین المفردات الثلاثة: « تقوى الله» و«ابتغاء الوسیلة» و«الجهاد فی سبیله» الواردة فی الآیة عرض السید الطباطبائی صورةً رائعة متماسکة، خلاصتها أنّ الاَمر بابتغاء الوسیلة بعد الاَمر بالتقوى، ثمَّ الاَمر بالجهاد فی سبیل الله بعد الاَمر بابتغاء الوسیلة، هو من قبیل ذکرالخاص بعد العام اهتماماً بشأنه(6). فابتغاء الوسیلة إذن وهو التماس ما یقرّب العبد إلى ربّه، أخص من التقوى العامة فی اجتناب المعاصی والعمل بالطاعات. والموضع الثانی: فی قوله تعالى: ( أُولئِکَ الَّذِینَ یَدْعُونَ یَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِیلَةَ أَیُّهُمْ أَقْرَبُ وَیَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَیَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّکَ کَانَ مَحْذُوراً )(7). والآیة هنا فی معرض الردِّ على أقوام یعبدون الملائکة، أو یؤلهون المسیح وعزیراً علیهما السلام ، فقالت الآیة انّ أولئک الذین تدعونهم من ملائکة وأنبیاء إنّما هم فی أنفسهم یبتغون إلى ربِّهم الوسیلة ویرجون رحمته ویخافون عذابه(8). والوسیلة هنا لم تخرج عن معناها الاَول، فهی التوصل والتقرّب. وربّما استعملت بمعنى ما به التوصّل والتقرّب، ولعلّه الاَنسب بالسیاق(9). ومن کل ما تقدّم یُعلَم أنّ التوسُّل إنّما هو اتخاذ الوسیلةالمقصود، ومعه یکون الاَنسب فی معنى الوسیلة أنّها ما یتم به التوصّل والتقرّب. هذا هو التوسُّل فی معناه اللغوی الجامع. أمّا التوسُّل إلى الله تعالى فی معناه الاصطلاحی، فهو أن یتقرّب العبد إلى الله تعالى بشیء یکون وسیلة لاستجابة الدعاء ونیل المطلوب(10). وهو ما جاء به قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوکَ فَاسْتَغْفَرَوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِیماً ) فهم بعد استغفارهم یتّخذون من استغفار الرسول لهم وسیلة لنیل توبة الله علیهم ورحمته إیّاهم. وهذا توسُّل بدعاء الرسول صلى الله علیه وآله وسلم فی حیاته. ولم ینحصر أُسلوب التوسُّل المأمور به شرعاً، أو الآخر الذی أباحته الشریعة، بهذا اللون بل تعدَّدت أسالیبه بتعدُّد الوسائل المعتمدة فیه، کما سیأتی فی مبحث أقسام التوسُّل. ومن هنا یمکن ملاحظة أکثر من مصطلح آخر قد یکون مرادفاً للتوسُّل بهذا المعنى، منها:1 ـ الاستشفاع: أو التشفّع، وهو اتخاذ الشفیع إلى الله تعالى لاستجابة الدعاء ونیل القرب والرضا. وقد کان الاستشفاع بالنبی صلى الله علیه وآله وسلم وبدعائه فی حیاته ثابت فی سلوک المسلمین وثقافتهم، کما هو ثابت أیضاً بعد وفاته، والاِجماع قائم على تحقّق شفاعته صلى الله علیه وآله وسلم لاَمّته یوم القیامة. والشفیع بمثابة الوسیلة فی الدعاء وطلب القربى. 2 ـ الاستغاثة: وهی طلب الاِغاثة من المستغاث به، إلى المستغاث والمغیث وهو الله تعالى. 3 ـ التوجّه: وهو التوجّه إلى الله تعالى بما له وجه عنده. 4 ـ التجوّه: وهو مثل التوجّه، فهو سؤال الله تعالى بما له وجاهةٌ عنده. فالوسیلة فی التوسُّل، هو الشفیع فی الاستشفاع، وهو المستغاث به فی الاستغاثة، وهو المتوجَّهُ به فی التوجّه، والمتجوّه به فی التجوّه. ولا عبرة فی اختلاف الاَلفاظ أو الاختلاف فیها، ما دام المعنى واحداً، وهو سؤال الله تعالى بالنبی محمد صلى الله علیه وآله وسلم أو بغیره ممّا له عند الله تعالى منزلة مقطوع بها. _________________ (1) لسان العرب (وسل). (2) معجم مفردات ألفاظ القرآن (وسل) :560 ـ 561. (3) سورة المائدة: 5|35. (4) مجمع البیان 3 : 293. (5) تفسیر الرازی 6 : 225 ـ 226. (6) المیزان 5 : 328. (7) سورة الاِسراء: 17|57. (8) انظر تفسیر الرازی 10 : 233 ـ 234، والمیزان 13 : 128. (9) المیزان 13 : 130. (10) انظر: التوسل| جعفر السبحانی :18، معاونیة التعلیم والبحوث الاِسلامیة، بدون تاریخ ورقم طبعة.

   + ammar saheb ; ٤:٥٩ ‎ب.ظ ; ۱۳۸٧/٧/۱٧
comment نظرات ()