امام حسين عليه السلام

الحسین .. قضیة وفکر ومنهج



ضحى بکل ما یملک وما یملک کبیر وکثیر قد تعیینا الحیلة ولا نعدّه، فلم یُبقِ لنفسه شیئا، وجاد عن یقین راسخ حدّ الرمق الاخیر ولو کان ما هو خلف ذلک لضحى به عن طیب خاطر، فهو الجواد ولقد حسم أمر سخائه منذ البدء؛ فإنبجس بذلاً أصیلاً حتى انبهر الکرم ذاته من بذله ولاذ الجود به على استحیاء! ولم ینس وهو فی خضم المحنة حتى الاعداء من کریم عطایاه ففاضت عینیه علیهم نبلاًً لأنهم یتجیشون لقتاله!

فأی نفس کبیرة.... کبیرة بإیمانها تقف الاوصاف على أعتابها حائرة وقد أُسقط فی یدها، وأیة روح عظیمة..عظیمة بتسلیمها... بل أی ذات إلهیة ضمتها جوانحه المقدسة إنه شبل الله فی الارض من ذالک الاسد!

فأی قتیل یبکی قاتلیه ساعة قتله؟! لیعرّی سواد فعلتهم ببیاض بذله بفعل حاشاه أن تخالطه رغائب أرضیة لأنه کادح لوجه الحقیقة الحابیة بکمالها نحو الله ابداً منذ اقترانها بفعل الانسان، ولِم لا؟ فهو ملتقى لطائف الدوحة الفاطمیة المطهرة بالعلویة المعطاء "یخرج منها اللؤلؤ والمرجان* فبأی آلاء ربکما تکذبان".

فعذراً .. وألف عذر فإن کلماتی المحدودات هذه... أسیرات قیود التجسید؛ لتقف الآن عاجزة، مذهولة أمام فضاءات مطلقه الروحی اللامحدود، وإنها والله لحروف جلیلة، حاءٌ .. سین .. یاء .. نون، قد نقشتها انامل الرحمة على ساق العرش بمداد من نور.. فتلثغها عفویاً شفاهنا المحبوسة بجبلتها الترابیة دون ان تعی توهجات جوهرها المکنون، وکیف لها ان تستجیب وهی الارضیة الغارقة بالغفلة لإیحاء نغمها السماوی.. بما تمثله من مغاز للرحمة بالعالمین فتستقی نفحة جرسها المقدس من أسم الجلالة بلفظی الرحمن الرحیم... بل إنها لأنوار قدسیة تستضیء بها ملائکة السماء، اکثر من کونها مصابیح هدایة تستنیر بها خطانا الراکسة فی وحول الجهل والغرور، فضلاً عن عماها بطول غفلتها عن وجوده بین ظهرانینا، فما أجحدنا بالحسین... ما اجحدنا بالحسین... ما أجحدنا بالحسین!!

لتنکسر کل الاقلام ولتجف الکلمات ویهرق مدادها، ولتخرس ألسنة القراطیس إن لم تقتفِ أثر النسغ الخالد ابداً فی الحسین؛ قضیةً وفکراً ومنهجاً، ولتتواضع کل القامات أمام سموق قامته النورانیة المتصلة بالسماء اکثر من کونها مغروسة فی طین هذه الارض، فإنه مصباح اهل السماوات کما الشمس لأهل الارض... بل إنه لاجلّ وأسمى.

فماذا نقدم بین یدی مائدة جوده وکرمه السباقة؛ زاداً لعشق محبیه وماءً للهفة عطش قاصدیه وزوّاداً لحرقة ولهف أفئدة عارفیه، لنیل رضا الله من بعد الفوز بشفاعته یوم المحول.

ان طرح السؤال لجدیر به ان یثیر مکامن الإجابة وفی محاولة الاجابة فتح ابواب محتملة للعمل وفی نوایا الشروع امل الوصول للغایات السامیة شریطة اقترانها بصواب المسعى وإخلاص النیة من خلال استعانتها بالله وتوکلها علیه.

ان فعل القلم – اخوانی - خطیر ومسؤولیة الکلمة أخطر "وکانت فی البدء کلمة" بغض النظر عن نوعها ومادتها وأسلوب طرحها، فبقدر المسؤولیة اتجاهها والوعی لمضامینها وصدق نشدان الاهداف من ورائها بنبل الغایات؛ سیکون بالضرورة مدى تأثیرها وانتشارها فما کان لله ینمو وما کان لغیره فإنه کالزبد سیذهب جفاءً.

ولو ساءلنا انفسنا عما قدمناه بالمقارنة بما بذله الحسین من تضحیات فی یوم الطف؛ لوجدناه ضئیلاً نوعاً وربما کثیراً کماً ولشعرنا بالتقصیر إزاءه مهما عظم، وإذا ما قرناه بما صرفه ویصرفه الآخر فی الترویج لرموزه عبر التأریخ لبرز أمر جدیر بالملاحظة، فالعالم یحاول أبداً تضخیم ابطاله ورجالاته فی المجالات کافة وإحاطتهم بهالات المجد أمثال دارون ومارکس ولینین أو نیتشه، وإذا ما قیسوا جمیعا بالحسین لتبین البون شاسعاً بینهما، أفیطال حضیض الثرى وجه الثریا!

إلا إن صنع البهارج الاعلامیة حول حقائقهم العادیة دیدنهم بینما العکس نعیشه فی واقعنا أبداً لماذا؟!

فمن هذا ومن ذاک.. بل ما قیمة هذا وذاک ازاء الحسین؟!

ان غفلتنا عن حقیقة الحسین وماهیة الاهداف التی أستشهد دونها فیه نوع من الاستخفاف بحرمتها وذواتنا، وان تمسکنا ابدا فی جانب القضیة العاطفی والاستمرار على ذلک نوع من الاجحاف لقیمته وعدم نضجنا... وربما اتضح شیء آخر غایة فی الدقة والحساسیة وقد لا یقل اهمیة عن الاول؛ وهو اننا مازلنا نأسى على مظلومیته ونلعن الظلمة من مستبیحی حرمة رسول الله فی قتله ونحن یومیاً نشارک دون درایة فی ذلک الظلم وتلک الاستباحة بکیفیةٍ ما، أفهناک ظلامة أشدّ من ظلم الاقربین من الشیعة والأتباع والموالین، وإجحافا اقسى وطأة من إجحاف العارفین!!

فإذا ما کان (الفضل ما شهدت به الاعداء) فإن الظلم الظلم ما استغفله الأصدقاء، إذاً فالسؤال المطروح ها هنا: ما عسانا ان نقدم من اعمال ابداعیة تکسر طوق العادی ولا تنحشر ضمن المألوف فی خدمة قضیة کبرى ذات امتدادات متشعبة ومتداخلة سواءً فی مغازیها الدینیة او الثقافیة او السیاسیة کونها قضیة وجود کقضیة الامام بما حملته من الابعاد الکونیة کفکرة و دمعة؟ او الفکرة والدمعة معاً؟

باعتقادی المتواضع اقول: لقد آن الاوان وأزفت الفرصة لتجاوز مرحلة التأصیل الشعوری بأبعاده البسیطة وحصرها فی محاولات إثارة الشجون وقد امتدت طویلاً وجلَّ غایتها الابکاء فی الوقت الذی نحن احقّ بالبکاء ذاک لا الحسین!

وأعتقد أیضاً ان على النخبة المؤمنة التفکیر الجدی بطریقةٍ ما، للعبور فی التناول نحو الآفاق الفکریة فی القضیة خاصة فی ظل ما نشهده ویشهده العالم الیوم من الانفتاح الواسع التی أتاحته وسائل الاعلام الحدیثة وتقنیات الاتصال المتطورة فی تقریب المسافات بین شعوب الارض وردم الفواصل بین الانسان والإنسان.

إذاً ستکون القضیة بلا ادنى شک سریعة الاثر فی الآخر، اذا ما وجدت لغة الخطاب المشترک معه بموضوعیة الطرح الفنی للأبعاد الانسانیة العالیة التی انطوت علیها قضیة الحسین العالمیة وحقیقة استشهاده من اجل ترسیخ قیمها وتأصیلها فی ارض الواقع بعد ان کادت تطالها مخالب التحریف والانحراف فحمَّلها أمانةً فی اعناقنا وأعناق الاجیال القادمة اللاحقة لثورته المبارکة ونهضته الالهیة للاعتبار بمبادئها السامیة من خلال إحیاء امرها بفهمها وتفهیمها والتبلیغ بکُنهِ رسالة السلام الضخمة التی حملتها رغم تضمخها بدمه الطاهر ودماء شیعته المستباحة للآن، المحتشدة بالرؤى الکونیة وبثها للعالم اجمع لیکون فکرهُ فی السماء، مصباح هدى، وحبه فی الارض سفینة نجاة.


   + ammar saheb ; ٢:٠٤ ‎ق.ظ ; ۱۳۸٧/۱٠/٢٢
comment نظرات ()