امام حسين عليه السلام

أحادیث رمضانیة على أعتاب العید ‏

یَآ أَیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّکُمْ أَن یُکَفِّرَ عَنکُمْ سِیِّئَاتِکُمْ وَیُدْخِلَکُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ یَوْمَ لاَ یُخْزِی اللَّهُ النَّبِیَّ وَالَّذِینَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ یَسْعَى بَیْنَ أَیْدِیِهمْ وَبِأَیْمَانِهِمْ یَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ إِنَّکَ عَلَى کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ (التحریم/8) أبارک لکم ـ أیها المؤمنون ـ صیامکم وقیامکم طیلة أیام شهر رمضان الکریم، کما أبارک لکم عید شهر الصیام؛ فإستعدوا لأخذ جوائزکم من ربکم الجلیل، فقد جاء فی الحدیث المروی عن علی ابن الحسین علیهما السلام: "إن الله جلّ وعلا یعتق فی أول لیلة من شهر رمضان ستمائة ألف عتیق من النار، فاذا کان العشر الأواخر عتق کل لیلة منه مثل ما عتق فی العشرین الماضیة، فاذا کان لیلة الفطرأعتق من النار مثل ما أعتق فی سائر الشهور". ( ) إذن؛ فلیلة عید الفطر هی لیلة الجائزة والغفران. ونحن حینما نسمی یوماً من الأیام عیداً، فإننا نعنی ذلک حقاً، ونخصصه بإعتباره یوما لإستئناف الحیاة وإعادة الحرکة من جدید، بناء على ما تمت الإستفادة مما سبقه من أیام، کعید الفطر الذی إنتهت عنده أیام الصیام والقیام والدعاء والمناجاة والإحساس بجوع الفقیر وبذل المساعدة لـه. کما نقصد به طی صفحة الماضی بسلبیاته، وأن المستقبل - لوحده - هو ما بقی لنا. ففی یوم عید الفطر حریٌّ بنا أن نفتح صفحة جدیدة طاهرة لعلاقتنا بالله وبأنفسنا وبالمجتمع وبجمیع المسؤولیات الملقاة على عواتقنا. فحینما نعلم أن الله تعالى غفر لنا ذنوبنا، علینا بذل المزید من الجهد لإستئناف الحیاة من جدید. وببالغ الأسف أقول: ان کثیراً من الناس یتوبون یوماً ویذنبون فی الیوم التالی.. وهکذا تراهم بین توبة وذنب، فلا یدرون کیف ستنتهی حیاتهم، أو على الأقل لم یصمموا على ما ستکون نهایتهم فی الدنیا، غافلین عن الحقیقة الدینیة القائلة بأن مصیر کل إنسان فی الآخرة متعلق باللحظة الأخیرة من حیاته فی الدنیا، إن کان خیراً فخیر، وإن کان شراً فشر، والعیاذ بالله. إن التوبة النصوح هی العزم على الإستمرار فی التوبة حتى النهایة، وهی التوبة التی أمر الله تعالى الإنسان المؤمن بها، وهی التی من الممکن أن یمحو الله بها الذنوب والسیئات، کما صرحت به الآیات المتقدمة الذکر. فالتوبة النصوح تمحو الماضی المقیت، وتسمح للمؤمنین فی یوم القیامة بحمل صفحاتهم بیضاء دون لوث... والتوبة النصوح نور یسعى بین یدی المؤمنین وبأیمانهم، یوم لا یخزی الله النبی والذین آمنوا معه، وینقذهم من ظلمات یوم القیامة التی ستعم الجمیع بإستثنائهم. ذلک النور کانوا قد ادخروه عبر أعمالهم الصالحة وعبر عزائمهم الراسخة، وبالتوجه إلى الله وحده لا شریک لـه، وعبر ما خاضوه من حیاة طاهرة مطهرة متطورة فی جادة الصلاح والإصلاح.. یوم العودة إلى الله فَأَمَّا مَنْ أُوتِیَ کِتَابَهُ بِیَمینِهِ فَیَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُا کِتَابِیَهْ * إِنِّی ظَنَنتُ أَنِّی مُلاَقٍ حِسَابِیَهْ * فَهُوَ فِی عِیشَةٍ رَاضِیَةٍ * فِی جَنَّةٍ عَالِیَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِیَةٌ * کُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِیئاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِی الأَیَّامِ الْخَالِیَةِ (الحاقة/19-24) إن یوم عید الفطر، هو یوم البدایة الجدیدة، لضیافة ربانیة جدیدة، ضیافة الرحمن الذی وسعت رحمته کل شیء، وفی مثل هذا الیوم نجدد العزم على تکریس مکاسبنا من شهر رمضان الکریم. الآن وقد أصبحنا مطهرین من الذنوب -إن شاء الله تعالى- نحس بالخفة والنشاط والحیویة، کما نحس بأننا أقرب إلى الله سبحانه مما مضى. إذن؛ فلنفکر فی کیفیة ترسیخ هذه الروح الإیمانیة فی أعماق أنفسنا، ونبعد عنها ما تلوثنا به قبل دخول شهر رمضان علینا، ونرسّخ ما تطهرنا به خلاله. تُرى کیف نستطیع أن نتوجّه هذا التوجّه؟ إلیک بعض التوصیات فی هذا المجال: أولاً: التضامن والإتحاد مع تجمّع المؤمنین، والإبتعاد عن تجمّع السوء ومراکز الفحشاء المنکر، وإن کان ذلک یکلف الخسارة المادیة فی بعض الأحیان، فالله هو الرزاق الوهاب الذی یعید علیک الفائدة من طریق آخر. وإحمل أولادک وإخوانک وأصدقاءک على المحافظة على الروح الإیجابیة والإیمانیة، وما من مجلس تجلسه إلا وحوِّل طبیعته إلى طبیعة الإیمان والکلمة الطیبة والعلم والتطور. ثانیاً: محاولة الإستمرار على العادات الطیبة التی ترکها فینا شهر رمضان الکریم، کالدعاء وتلاوة القرآن وحضور مجالس العلم والوعظ والارشاد فی المساجد والحسینیات، وأداء صلاة الجمعة والجماعة. ثالثاً: محاولة تحویل أیام السنة جمیعاً إلى أیام رمضانیة أو شبه رمضانیة؛ بمعنى سحب روحیة شهر رمضان المعنویة إلى دورة السنة برمّتها. ثم هناک بعض التوصیات الأساسیة التی تأتی فی السیاق نفسه، کالإحسان إلى الناس؛ الإحسان الذی قد لا یأخذ بالضرورة الصبغة المالیة، بل قد یکون بمختلف أشکال الخیر. فنحن بحاجة ماسة لأن نمد ید العون إلى إخواننا المستضعفین والمحرومین، وأن نبدأ ببناء المشاریع والمؤسسات الدینیة والخیریة والإنسانیة العامة، المؤسسات التی تنتهی بنا إلى القرب من الله تعالى. نسأل الله سبحانه أن یبارک لنا فی یوم العید ؛ الذی هو یوم العودة إلى حقیقة الفطرة والدین، والإبتعاد عن شوائب الکفر والفواحش والذنوب، ونسأله تعالى أیضا أن یعیده علینا وعلیکم ونحن فی أتم الصحة والسلامة والأمن. العودة إلى الفطرة وَهُوَ الَّذِی یَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَیَعْفُواْ عَنِ السَّیِّئَاتِ وَیَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَیَسْتَجِیبُ الَّذِینَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَیَزِیدُهُم مِن فَضْلِهِ وَالْکَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِیدٌ (الشورى/25-26) لیس العید لمن لبس الجدید، إنما العید لمن أمِنَ الوعید خلق الله الإنسان سویا بفطرته، وخلقه فی أحسن تقویم، غیر أن عوامل الانحراف الذاتیة والخارجیة هی التی تبعده عن الصراط المستقیم. وعند ذاک یکون الإنسان بحاجة ماسة إلى التوبة والعودة إلى فطرته التی فطر علیها، وإلى نقائه واستقامته، لیبدأ حیاته من جدید، فیتحول ذلک الیوم بالنسبة إلیه یوم عید وفرح. ففی شهر رمضان ولیالیه المبارکات، حیث یتوب القائم بشعیرة الصیام والعبادة توبة نصوحاً، ویستجیب لنداء ربه، فإن الله یطهره ویمحو سیئاته ویدخله فی حیاة جدیدة، فتراه فی آخر شهر رمضان المبارک وأول شهر شوال قد إستعاد حیویته ونقاءه وطهره. ان مثل یوم عید الفطر کمثل عید یوم الجمعة أو عید عرفة. إذ یفرح المؤمنون یوم الجمعة بما غفر لهم ربهم بعد عودتهم لرحابه فی لیلة الجمعة، لأنهم قاموا وصلوا ورتلوا القرآن فی هذه اللیلة أکثر من غیرها من اللیالی. واذ یفرحون أیضا بما تاب علیهم ربهم بعد أدائهم لمناسک الحج وإعلان رغبتهم وتصمیمهم على العودة إلى الله، فهم یعیشون بعد عرفة العید والبهجة والسرور.. وإذا کان العید یعنی العودة إلى الله، فإنه یستدعی ضرورة برمجة الحیاة والمستقبل، على إعتبارهما أمرین جدیدین بعیدین عن الانحراف والفساد وما تم الابتعاد عنه. وفی ذلک الیوم فقط یکون جدیراً بالإنسان الاحتفال بالعید، حیث یکون قد هیأ لنفسه عوامل تکریس الطهر فیها. طریق السعادة وَالَّذِینَ صَبَرُوا ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُـوا مِمـَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِیَةً وَیَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّیِّئَةَ اُوْلَئِکَ لَهُمْ عُقْبَـى الـدَّارِ (الرعد/22) کیف نستطیع ان نجعل أیامنا کلها عیداً وبرکة ورحمـة وبشــرى وفـرح؟ قبل کل شیء لابد أن نعرف إن الحیاة مثلها مثل الجدار، یعید الکُرة کلما أُلقیت علیه وبنفس القوة والانفعال.. والذین یحیطون بنا من أهلینا أو من نعاشرهم فی حیاتنا، إذا ما ألقینا إلیهم بالمودة والمحبة والبشر والرحمة والإحسان، أعادوا کل ذلک علینا بما یماثله، وربما ما یزید علیه، فعند ذلک تصبح حیاتنا کلها خیر وبرکة. وأما الذین ننبذ إلیهم الأفکار السیئة والعصبیات وسوء الظن والکلمات النابیة والغدر والتعدی، فإننا یجب أن نتوقع منهم رد الفعل المشابه لفعلنا. ومن صفات الذین یبحثون عن الحیاة السعیدة فی الدنیا والآخرة؛ أنهم یصبرون على تقلبات الحیاة، ولا یستخفّهم العاجل منها، وهم یقیمون الصلاة؛ بمعنى انعکاس أقوالها وحرکاتها على حیاتهم، سواء على صعید النظریة أو التطبیق، وهم أیضا ینفقون فی سبیل الله لفرط محبتهم للآخرین، ولاسیما المحتاجین منهم. ثم إنهم یدرؤون بالحسنة السیئة، فإذا صادفتهم سیئة من أحد الأشخاص منعوا انتشارها وتأثیرها بحسناتهم، وبذلک یملؤون حیاة الآخرین بالمحبة والخیر، فهم یعیشون حیاة طیبة. اُوْلَئِکَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ حیث تستقبلهم ملائکة الرحمن على مشارف الجنة لتقول لهم: ادخلوا الجنة من أی باب تشاؤون. فهم یسلمون من کل هوان، کما سلم الآخرون منهم فی الحیاة الدنیا وارتاحوا إلیهم. إن المحبة والرحمة والعطاء والإیثار ودفع السیئة بالحسنة، هی العوامل التی من شأنها تحویل أیام الإنسان إلى أعیاد متواصلة ومناسبات طیبة مفرحة تکون بمثابة المقدمة للحیاة السعیدة فی الآخرة.

   + ammar saheb ; ۱٢:۱٢ ‎ب.ظ ; ۱۳۸٧/٧/۱٠
comment نظرات ()