امام حسين عليه السلام

الإمام علی (ع) وحقوق الإنسان

تجلت البوادر الأولى لصفات القیادة والاهتمام بحقوق الإنسان لدى الإمام علی (ع) منذ نشأته الأولى وتربیته فی بیت النبوة حیث أشرف على تنشئته واعداده وفق الأسس الصحیحة النبی محمد (ص) لیزرع فی نفسه الفیض الغامر من المحبة ویعده الإعداد الفکری والعقائدی الذی هیأه فیما بعد لیکون أحد أعمدة الحکم الرئیسة فی الإسلام مما أعطاه تلک المنزلة الرفیعة والمکانة المرموقة التی جعلته علماً بین الإعلام ان لم یکن أعلاها ونجماً ساطعاً وصلت إشعاعاته لکل مشارق الأرض ومغاربها لیکون بذلک وهج أضاء زوایا المعمورة لینتهل الکل منها وهذا ما أکده الإمام بخطبته المشهورة القاصعة (وقد علمتم موضعی من رسول الله (ص) بالقرابة القریبة والمنزلة الخصیصة، وضعنی فی حجره وأنا ولد ، یضمنی إلى صدره، ویکنفنی فی فراشه، ویمسنی جسده ویشمنی عرفه وکان یمضغ الشیء ثم یلقمنیه وما وجد لی کذبة فی قول ولا خطلة فی فعل ولقد کنت اتبعه اتباع الفصیل أثر أمه یرفع لی فی کل یوم من أخلاقه علماً ویأمرنی بالاقتداء به ولقد کان یجاور فی کل سنة بحراء فأراه ولا یراه غیری ولم یجمع بیت واحد یومئذ فی الاسلام غیر رسول الله (ص) وخدیجة وأنا أرى نور الوحی والرسالة وأشم ریح النبوة). ان هذه المیزة التی خص بها الإمام علی (ع) دون غیره جعلته یتخطى أقرانه ومن عاصروه لیکون ذو فکر متقد وعقل متنور استطاع أن یتفوق فیه على کافة علماء وشخصیات الفترة التی عاشها لیصبح محط انظار الجمیع سواء بالاستشارة أو بوضع الحلول الناجعه للقضایا التی تستعصی على العلماء او الفقهاء فی مسائل الحکم السیاسیة أو القضائیة أو الاجتماعیة لیضفی علیها آرائه الناجعة والسدیدة التی أبرزت فیه الروح القیادیة التی أهلته لأن یکون محط أنظار الجمیع وبالتالی التعامل مع الأحداث بکل حکمة ودرایة مما جعله أن یکون مرجع للصحابة فی کل ما یعترضهم من المسائل العملیة والمشاکل الاداریة والمعضلات القضائیة فلقد ثبت الخلیفة عمر الخطاب انه قال (لولا علی لهلک عمر) وانه کان یقول (أعوذ بالله من معضلة ولا أبو حسن لها) وثبت انه قال (أقضانا علی) وهذا ما أکدته کثیر من المصادر مثل البدایة والنهایة لابن کثیر وتاریخ الخلفاء للسیوطی والطبقات الکبرى لابن سعد . ان هذه الأرضیة التی تهیأت للإمام علی (ع) جعلته من المدافعین عن حقوق الإنسان وواضع نظریاتها الأولى أی قبل أن توضع من قبل الثورة الفرنسیة أو العهد الدولی أو من قبل الأمم المتحدة بالرغم من الفترة الزمنیة الطویلة والمتباعدة بین العهدین مما یدلل على ان اهتمامات الإمام علی (ع) قد سبقت الکل فی هذا الجانب وأن الانسان هو الثروة الکبرى فی المجتمع فقد کتبت مجلة الحقوق العراقیة فی عددها الثانی عام 1941 (لا مراء ان عهد الإمام علی (ع) الى عامله على مصر مالک الأشتر من أنفس الوقائع التاریخیة الزاخرة بمبادیء الحکم وأسالیب الإدارة وأصول التشریع وأخلاق المسؤولین, وإذا کانت الحضارة الیونانیة تفخر على عالم العصر الحاضر بشریعة سولون, والتاریخ الانکلیزی یباهی حضارة الیوم بوثیقة "ألمانحنا کارتا", والثورة الفرنسیة تزهو بین تاریخ الثورات "باعلان حقوق الانسان" فحسب الحضارة العربیة الزاخرة مجداً وزهواً وسمواً انها قدمت للأجیال المتعاقبة منذ أربعة عشر قرناً العهد الأمیری الخالد على الدهر بأعدل المبادئ المقررة فی فقه السیاسة والتشریع), مما یدلل أن هذه الوثیقة الدستوریة التی جاءت فی فترة زمنیة اشتدت فیها المخاطر التی تحیط بالدول الإسلامیة وما تعرضت له من هزات نتیجة للأعمال التی قامت بها بعض الولایات للتمرد على سلطة الدولة لشرعیة التی یقودها الإمام (ع) لکنه تعامل معها بروح یسودها الهدوء والاطمئنان وعدم التفریط بالحقوق المدنیة والسیاسیة والتی یجب أن یتمتع بها المواطنین لیوصی أحد عماله على الولایات التابعة له للتعامل مع الناس بهذه الروح التی تتسم بالتسامح والانفتاح وعدم ظلم الآخرین لأنها لیست من صفات الحاکم العادل الذی یساوی بین الناس ویعمل من أجل توفیر ما من شأنه ان یحفظ لهم کرامتهم وحیاتهم السعیدة حیث قال (فلا تقوین سلطانک بسفک دم حرام فإن ذلک مما یضعفه ویوهنه بل یزیله وینقله ولا عذر لک عند الله ولا عندی فی قتل عمد). ان وثیقة الأمم المتحدة وفی مادتها الاولى تؤکد (یولد جمیع البشر أحرار ومتساوین فی الکرامة والحقوق وقد وهبوا العقل والضمیر وعلیهم أن یعملوا تجاه بعضهم البعض بروح الأخوة) .. إن هذه الفقرة کان قد تناولها الإمام (ع) فی رسائله الى ولاته وکذلک فی خطاباته المتکررة لیدلل على أهمیة الانسان فی فکره (ع) وأن یتمتع بکافة حقوقة المدنیة التی نصت علیها الدساتیر وأن لا یتعرض للتعذیب أو الاضطهاد مما یجعله فی مأمن عن کل ما یعرضه بان کرامته قد هدرت أو ان حقوقه قد سلبت حیث قال (ع) فی أحد خطبه (لاتکن عبد غیرک وقد جعلک الله حرا), لیؤکد ان الناس یولدون أحراراً ومتساوین فی الکرامة ولا یجوز التفرقة وعدم المساواة فیما بینهم طالما ان اله قد خلقهم أحراراً ومتساوین فی الحقوق والواجبات ولا یجوز تمییز أحدهما عن الآخر بسبب اللون أو الجنس أو العقیدة . لقد دعت الأمم المتحدة فی تقریرها السنوی لعام 2002 الصادرعن برنامج الأمم المتحدة الإنمائی الخاص بحقوق الإنسان وتحسن البیئة والمیشة والتعلیم فی الدول العربیة الى اتخاذ الإمام علی (ع) مثالاً لتشجیع المعرفة وتأسیس الدولة على مبادئ العدالة, وقد احتوى التقریر المذکور الذی اشتمل على أکثر من مائة وستون صفحة على ست نقاط رئیسیة أوصى بها الإمام (علیه السلام) قبل أکثر من 1000 عام مثلت العدالة والمعرفة وحقوق الإنسان. وقد جاء فی التقریر مقتطفات من وصایا الإمام علی (ع) الخاصة برئیس الدولة: (إن من نصب للناس نفسه إماماً فلیبدأ بتعلیم نفسه قبل تعلیم غیره. ولیکن تأدیبه بسیرته قبل تأدیبه بلسانه. فمعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم) وقال (ع): (اختر للحکم بین الناس أفضل رعیتک فی نفسک ممن لا تضیق به الأمور ولا تحکمه الخصوم ولا یتمادى فی الزلة, ولا یحصر من المضیء إلى الحق إذا عرفه. ولا تشرف نفسه على طمع). إن الاهتمام بحقوق الانسان والتعامل معها من الأولویات التی خطى الإمام علی (ع) فی تحقیقها والتعامل معها من خلال سعیه الدؤوب لتحقیق تلک المبادئ التی تعلمها فی صباه وانتهلها من بیت النبوة لتکون دلیل عمل سار علیه سواء کان والیاً او مواطناً عادیاً تربى علیها وجعلها دستوره الذی لازمه ولم یحید عنه لیطبق فیها مبادئ العدالة والمساواة بالرغم من انفراط عقد الناس عنه مما جعله یعمل بقوة غیر آبه لما یجری حوله طالما أنه یشعر بأنه سائر فی طریق الحق ومتمسک به حیث قال (اعلموا رحمکم الله أنا فی زمان القائل فیه بالحق قلیل واللسان عن الصدق کلیل واللازم للحق ذلیل). ان الدفاع عن حقوق الإنسان جعل الإمام علی (ع) یقاوم الظلم ویشن علیه حرباً شعواء وعلى کل المتمردین والذین عملوا من اجل مصالحهم الشخصیة والانسیاق وراء الإغراءات لغرض زعزعة أمن الدولة وأرکانها, وان الحرب الذی کان یقودها الغرض منها اقامة الحق ومقاومة الظلم السیاسی والاجتماعی الذی کان سائداً فی تلک الفترة لذلک فإن الکثیر من أتباعه قد خضعوا للترهیب الذی تعرضو له او للاغراءات المادیة لیبتعدوا عنه لکنه أصر على مواصلة الطریق والاستمرار به وهو القائل (لا تستوحشوا طریق الحق لقلة أهله فإن الناس أصبحوا على مائدة شبعها قصیر وجوعها طویل) لیدلل ان ما قام به لیست نزوة عابرة وانما مبادئ تربى علیها وأسس سلکها وأراد أن یطبقها من أجل أن تسود فی مجتمع تملؤه العدالة وتطبق فیه حقوق الإنسان .

   + ammar saheb ; ۱٢:۱٥ ‎ب.ظ ; ۱۳۸٧/٧/۱٠
comment نظرات ()